عند قراءتك لنصٍّ ما تشعر باختلاج عقلك مع قلبك، تارةً تَغلِبُ الاولى فتنهارُ قوى الثانية، والعكس،فلا تعرف أين تضع كُلَّاً مكانه، وفي خضم هذه الدوامة التي تضيقُ بها النفس ذرعا وتتوقف اجنحة الروح عن الطيران، ظهر لنا هذان الضِدان معاً كقوة واحدة يتسطيع المرء معها الوقوف مع قلبه وعقله في آنٍ واحد. - مصطفى لطفي المنفلوطي أديبُ الذائقة الرقيقة وأنيسُ الوحدة الموحشة والروح الطَموحة، ولد في مدينة*منفلوط* في صعيد مصر عام 1876م، كانت ولادته مرحلة مهمة جدا وهي صراع العرب للانجراف مع الغرب والمحافظين الذين يُمجّدون ماضي أجدادهم السابقين، فوقف المنفلوطي موقف الوسط ووضع كل شيء مكانه؛ لا التمسُك بعادات الأولين البائدة ولا الانجرار تحت عناوين الغرب الزائفة، لم يكن المنفلوطي كاتباً مُرفهّا يكتبُ كي يحشو فراغ أيامه، بل كان شخصاً فعّالاً، ناهضا في أُمته محاولا إيقاظها، تميز بأسلوبه النقي وامتلاء سطوره بالتشبيه الفريد والذي مهما أسهب فيه زادت جمالية نصوصه ولم تنقص. -الرحمة انموذجا ((إن الرحمة كلمة صغيرة ولكن بين لفظها ومعناها من الفرق ما بين الشمس في منظره والشمس في حقيقتها)) يطلق المنفلوطي عنان أفكاره ليكتب عن *الرحمة*في كتابه (النظرات) ليصوغ من أحرفهُ مقطوعةً موسيقية يركب على أوتارها فَرِحاً، مُريداً أن يصل معنى الرحمة الى القلوب مباشرة ويخاطب بكلماته الأرواح النقية التي تسمع ذلك النَغم الداخلي. الرحمة عندهُ روحٌ شفافة يُرى من خلالها كُل شيءٍ يسمو بالمرء ليجعلهُ رؤوفاً وعطوفاً، فأخذَ المنفلوطي بيد الرحمة والإنسان مُتجولاً على كل الكائنات كي ينحني لها ويأخذ من شذاها حتى يمتلئ قلبه فيُصبح نبعاً صافياً يُستمد مِنه العواطف الصافية. حيث لا يُمكن أن تجتمع الرحمة والقسوة في فؤادٍ واحد كما لا يُمكن أن يجتمع الكفر والإيمان. فكان أسلوبهُ يستثير العاطفة ويجلب النفوس المُرهفةالتي تحتاجُ الى وخزة إبرةٍ خفيفة لتستيقظ فلا تتطلبمنطقاً وعمقاً يصلُ بها إلى القاع وتبقى فيه حتى لاتستطيع الخروج منه لأنها لم تتعلم الغوص… في الجانب المقابل نجد استاذ الفِكر وأديب المنطق عباس محمود العقاد الذي ولد عام1889م في مدينة أسوان في صعيد مصر، امتازت كِتاباتهُ بصواعق الحقائق وعمق الفكرة والتأمل فيأخذ المواضيع من منبع العقل فيستمع له ويردُّ عن تساؤلاته بنفس الجِّديةوالصلابة. جاء في مقالته*الرحمة قوة*، ((إن المرأة الهستيرية التي يغشى عليها حين ترى جريحا يتألم، ليست بأرحم لذلك الجريح من الطبيب الذي يفتح جراحهُ ويزيده ألًما على ألمك. فالذين يزعمون أن الرحمة ضعف أومرض، إنما يلتبس عليهم الأمر بين هذه الحالة الهستيرية التي هي ضعف، وبين الرحمة التي هي قوة؛ لأنها حماية لضعف الآخرين)) أخذ يكتب عن الرحمة كيقينٍ تام موثّقا ذلك بشواهد، مُخاطبا أعمق نقطة قد يصل إليها الإنسان كي يجدها أو مِن أي زُقاقٍ قد يختارهُ ، فالعقاد كان يملك إجابة عنه؛ النفس عند امتلائها بالرحمة ستفيض عطاء أما الإناء الفارغ لا تسمع سوى صوت الهواءيقرع جدرانه. الشخص الرحيم هو القادر على أن يهبها ويمسكها في مواضعها، فالرحيم حينما يقسو إلا لأن الرحمة ستضُر مَن لا تنفعهم، وحينما يكون الإنسان رحيماً لا يعني أن تغيب عنه ميزة الوعي والتدبر وإنما يضع الرحمة مواضعها.